السبت، يونيو 18، 2016

لِتعارَفوا..






* صورة جماعية للفتيات في بيت الزبير


ابتسامة خجولَة ، ولأول مرَّة أتهجأ فيها اسمي بالعربية بكلِّ بطء : "اسمي هالة" ! 
اللحظة الأولى التِي عرّف فيها الأستاذ فيصل العوفي عنِّي في مركز امديست مسقط ، كنتُ أتأمل الوجوه العشرة في القاعة التي بادلتني -فضولها كذلك- والقادمة قبل ليلة من الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة لتعلِّم اللغة العربية لغيرِ الناطقينَ بها في تحدٍّ (بالنسبةِ لي) لمدة سبعةِ أسابيع! 

كانت وظيفتي إذاً أن أُجالس مجموعة منهن لمدة ساعة يومياً لممارسة اللهجة العامية أو اللغة الفصيحة وكانت تُشاركني ذات المهمة : ذهلاء و مزنة ، ريم وأفنان  ، أتحدث معهن عن الثقافة العُمانية والعادات والتقاليد بعد أن ينهين حصص القواعد خلال أربع ساعات .. لا أنكر أنَّ الأمر ابتدأ بهذهِ الخطوط العريضة ، اللقاء الأول كان مُدهشاً ، ساعة واحدة تحدثنا فيها بالإنجليزية كانت كفيلة لتجعلني أؤمِن أنني لم أستفد تماماً من تجاربي الدراسيَّة أو لنقل أن تجاربي الدراسية كانت ضحلة جداً . كانت لِيا -سبعة عشر سنة- تُتقن علاوةً على لغتها الأم لغات أخرى : الفرنسية ، الإسبانية ، الألمانية .. وجائت لتعلّم العربية
 ( ستمرّ الأيام وستُدهشني قدرات لِيا الفائقة في تعلم العربية ، أنا التي ظننت دائماً أن حصص النحو كانت أصعب ما خلقهُ العلم ). جانِيل الهادئة جداً كانت تتقن لغة الإشارة بطلاقة ، حينَ كانت سلام تُغني إحدى الأغاني بصوتها العذب  كانت جانيل تغنيها بأصابعها .. وكانَ عليَّ أن ألتفِت لحلمي القديم بتعلّم العبريَّة .. ولم يحدُث ذلكَ بعد !! 

مضَت كل تلكَ الأيَّام ، بقى منها شعوري الطريّ بالحُلم و الدهشة النابتين في قلبي. الأحاديث كانت ثريَّة ، النقاشات كانت تشتعل و الفضول كانَ يصلُ أوجه بالنسبةِ لهن في فهمِ قضيَّةٍ ما أو عادة ما يمارسها العمانيون . كنت أستطيع دائماً أن أقرأ فضولَ الفتيات في معرفةِ "كلِّ شيء" .. وكلَّ شيء هذه كانت تكبر دائماً وكل يوم . 
في العامِ الماضي حين كانت تتعرّف الفتيات على العادات العُمانية في إلقاء التحيَّة .. كان ضجيج الشارع الأمريكي يصلُ أوجه حول منح الحقوق لـ المثليين . أستطيع اليوم أن أتذكر  كل نظرات الدهشة حين تعرفت الفتيات على طريقة إلقاء التحية بـ "القُبل أو العناق" في مجتمعنا العُماني . ثمَّ كان علينا أن نجيب على الأسئلة الكثيرة التي تأتي تباعاً بعد كل "صدمة حضاريَّة" تُدهش الطرف الآخر هه! من حُسن الحظ أننا كنا قد تلقينا إخطار كامل من قبل مركز امديست قبل مجيء الفتيات بعن نوعيَّة ومستوى النقاش وأينَ يُمكن أن يصل ! كانَ ذلكَ مُريحاً جداً ، كنت أظن دائماً أنني لستُ مضطرة للإجابة عن كل الأسئلة -خاصة الدينية- التي قد يختلف فيها اثنين يدينونَ بنفس الدين في بلدٍ واحد ! 

بعدَ مضيِّ الأيام ، لا أظن أننا تركنا سؤالاً واحداً دونَ إجابة في أذهانِ الفتيات ، ليسَ لأننا -أنا وزميلاتي في التجربة- نملك كل الأجوبة ولكن لأننا استطعنا أن نحيل النقاشات دائماً إلى جلسات وديَّة أكسبناها طابعها الشخصي الذي كانَ يمثل رأينا نَحن وثقافتنا . كانَ مُدهشاً جداً أن تستطيع فتاة من بيئة مُختلفة تماماً مكثت سبعة أسابيع في عُمان أن تغوص في عُمق القبائل وأصولها ! ثم تستطيع أن تحدد بذاتها عمَّا إذا كانت -فلانة- من الأصول الفلانية أم لا ! أليسَ ذلكَ مُدهشاً ؟ 

كنّا نقضي الجلسات إمّا بداخلِ المركز أو خارجه في جولةٍ مثلاً ، أذكرُ في إحدى المرات التي شاركنا الفتيات الجولة إلى "بيت الزبير" وقوفي واميلي بجانبِ لوحة فنيَّة -كان سعرها يصل لعشرات الآلاف-   سألتني بصوتٍ هادئ عمَّا أراه .. لم أكُن لأخوضَ في نظرتي العُمق ذاته الذي خاضته ثم استمعتُ إليها .. كان صوتها الداخلي مُبهراً ، كيف يُمكن لصبيّة أن تنظر للوحة -في قرارة ذاتها باهتة- بكلِّ ذلك العُمق والإتساع ؟ 

تجربة مثلَ هذه يخوضها المرء في حياته ، ستعلمه المعنى العميق لقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات ،الآية: ١٣]

في الأيام الأخيرة ، كتبت لنا الفتيات الكثير من الكلمات التي لا أزال أقرأها وابتسم بحبّ ، ثمَّ أشعر بالـسعادة في كلِّ مرة أجد الفتيات -اللاتي لا يزلن يتواصلن معنا- يكتبن بالعربية . 

مضى عام على هذهِ التجربة ،وثمة الكثير الكثير لم أقله ، كتبتُ عنها اليوم لأنها تستحق أن تُحكى على الأقل لكي لا أنسى أنني خضتها ..
 وإذا سمحت لكم الفرصة بأن تخوضوها فخوضوعا "بحبّ واتساع" .
ربما أعودُ يوماً ما لأقولَ المزيد، شكراً لكلّ الذين جاؤوا في غيابي  ليقولوا لي :اكتبي نحنُ نقرأ ! شكراً !


هالة / مسقط 

الخميس، يناير 28، 2016

كانت كلمة صغيرة

*الرسمة لـ Tami Traylor 

يوم الأحد الرابع والعشرون من هذا الشهر ، في اللحظة التي قالت لي دكتوره ليزا : congratulations you're done  كنتُ قد وُلدت لمرةٍ أخرى بقدرٍ جديد في حياتي بإبصار ستة على ستة منذُ ثمان سنوات . كانت لحظة صادقة جداً ، عشتها بتفاصيلها ، أردتُ خلالها أن أستيقظ من السرير لأعانق الدكتوره ليزا لكنني اكتفيت  بشكرها وقولي : "أنكِ مُدهشة " . في تلك اللحظة ذاتها التي أمسكَتْ خلالها برأسي كتقديرٍ منها ، تعلمت ما معنى أن تُقدّر  الآخرين بكلمة صغيرة جداً . قد تُحدث فرقاً في حياة امرأة ستينية جاءت من بلادٍ آخر لتُمارس مهنتها بإخلاص .


ستُكملُ عبارة بائع الكتب من "دارِ مدى" في قلبي عاماً مُذ قالها لأمي يومها ، كانَ يوماً مُنتظراً لصبيّة مثلي لا تؤخر الذهاب لمعرض الكتاب السنوي . قالَ يومها لأمي : " أهنيكِ فيها" ، لم أشكره وربما لم أتفاعل مع كلمته بشكلٍ مثاليّ واكتفيت بابتسامة خجولة جداً ، منها لم أدري لمَ قد يقول شخص غريب عنّي شيئاً كهذا ؟ رجل ربما في أربعينياته يراني للمرةِ الأولى ، لا يعرف طقوس مزاجي ، لا تاريخي القصير ، لا تخصصي الجامعي ، لا يعرف أنهُ بكلمة صغيرة جداً عمّر بداخلي زهرة صغيرة  أشرقَتْ . هذا الرجل ذاتَهُ الذي آمنَ بي في موقفٍ قصير عابر جداً يُذكرني بأشخاص كثر مروا ، كانَ وجودهم مكسبٌ أثرى روحي . قد تنسى عابرونَ كُثر لكن ليسَ الذي آمنَ بك أو أحسنَ إليك . على الأقل إذا كُنتَ حرَّا كما يقولُ أبي دائماً.

قصص صغيرة لكنها وُجدت لتُحدثَ فرقاً في رتابةِ سير الحياة ، و ما حدث ما كانَ ليخطئ طريقهُ إليّ ، أن العصفور الصغير الذي نقرَ نافذة غرفتي فترةَ بداية شتاء كامل ، كان قد جاء إليَّ أنا ، عمّال محطة البترول القريبة من منزلي الذين يحبّوا مشاركتي أحاديث قصيرة بين فترة وأخرى ، دعوات عاملة النظافة في ممرّ الجامعة ، فطومة الصغيرة التي قالت لي كلمات حلوة يوماً ما ، عناقات سارة العنيفة ومع كل ذلك أحبُّها .حتّى الfull -light الذي كنت أتلقاه في الشارع في فترة فحص سيارتي و رغبة العامة بأن يُشاركوك الاحتفاء بسيارتك الجديدة ."شكراً جزيلاً" التي يقولها أحد عمال الأجانب في استهلاكية الجامعة لزبائنه - يقولها بكلِّ فصاحة تبعث على الدهشة -  ربما قد تتنوع الأساليب ، لكن كلها قد تُحدث فرقاً !


"كلمة صغيرة" قد تُحدث فرقاً .. شكراً ل الشخص الذي كانت رسالته في الsayat.me دافعاً لكتابة هذهِ التدوينة :) ، مضى وقت طويل وأنا آسفة ، ما يحدث فعليّاً هو أنني لا أريد أن يتحول التدوين يوماً ما إلى عبئ وبين هذا وذاك .. تنسى كيف تدون . ومن أجل ذلك سأشارككم إحدى فروضي لهذا العام  وهي انضمامي ل ١٠٠ مدوّن عربي لـ الكتابة شهرياً في مشروع انطلق من الرياض سُمي "أيام التدوين العربي" هُنا مدونته.

أتمنى أن يكونَ عاماً ثريّاً لي ولكم .
سعيدة بالذين يكتبون لي هُنا / وهذا عنواني.


هالة . مسقط ٢٠١٦


السبت، أغسطس 01، 2015


السلامُ على قلبي و روحي ، وعلى الصلوات التي تكبُر دونَ شعور ، دونَ تخطيط !
تكبُر وكأنَّ وحيّاً نُزِّل عليَّ وكأنَّ الله لم يخلُق سواي ليبتهلَ إليه .أو ليحدّثه حديثاً فارغاً إلا من الشعور.
السلامُ على الصبيّة التي ودّت لو تعودُ صغيرةً دونَ أن يمسَّها نصب الحياة و ثِقلها .. وعلى الأيّام التي مُنحت دونَ أن تستحقّ و لم تهِب أبداً كما يجِب . 

السلامُ على قلبيّ والديَّ ، أحباني دونَ شرط وفشلَ أقربَ الأصدقاء أن يتجاوزوا عن مساوئي ، السلامُ عليهم وعلى النورَ الذي منحانني إيَّاه ، على حبّهم الذي أغرقاني به وعلى السعادة التي يخلقانها لابنتهم الصغُرى . السلامُ على رسائل أبي التي كتبها لي . وعلى المنزلةَ التي منحني إيَّاها دونَ أن أكون قادرة يوماً أن أردَ جميلَ تربيته . السلامُ عليكِ أمِّي ، على صوتُكِ وحضنكِ و قلبكِ الذي أهوى .. 

السلام على أول شعورٍ بكلٍّ شيء ، على الصيحة الأولى ، والضحكة الأولى ، والكلمة الأولى ، والحرفَ الأول .. السلامُ على الامتنان الأول  وعلى المحبة الإلهية التي أدركتني منذُ الأزل . 

أنَا هُنا ، فقيرةً من كلِّ شيء إلا منك الهي .. ووالديَّ . 

الأربعاء، أبريل 08، 2015

رسائل عابرة إليهم -3-








رسائل عابرة إليهم 

-٣-


المرّة الأولى التي قرأتُ فيها رسالتك ، بكيت ! أن أعثُر عليها في صندوق بريدي في صباحٍ ما وبخطِّ يدِك ، (سأقولُ لاحقاً في زمنٍ آخر من العمر  لابنتي ، بأنّكِ منحتنِي حُلماً آخر لأعيشُ لأجله) كنتِ شفافة للغاية وكانت كلماتُكِ أكبر بكثير من صبيّة بمثلِ عُمرك وحين صافحتِني بآخر سلامٍ منك المذيّل برسالتك ، كنتُ أنا هُنالك في مكانٍ ما بعيد  .. لا تتخيّلي -ربما- تفاصيله أتمنى لو قصُرت المسافة لأخبرك كم منحتني اشراقاً جديداً ، وجعلت ما بيننا سماويّ يشبهُ صلاةً صلاها لأجلي غريب ومضى ! 

لم أكن شجاعة كفاية لأكتبَ لكِ رداً ، وليست هذهِ شجاعة أيضاً لأكتبَ عنكِ هُنا .. لكنّهُ قلبي قرر يحدّثك ..
أعيدُ قراءتكِ كثيراً ، بين صباحٍ وآخر  .. ابتسِم .. أعودُ من حزنِ الحياة إلى اشراقها واحتفظُ بكِ في مكان صغير يشبهُ غرفة صغيرة تتسع للكثير في قلبي . 


وعليكِ سلامُ الله ومحبته .

الثلاثاء، ديسمبر 09، 2014

تلبُّس - قصة قصيرة


حاصل على جائزة الجامعة التشجيعية للإبداع الطلابي - فرع القصة القصيرة : 28 / مايو / 2014

حينَ وضعَ الشيخ ناصر يدهُ على رأسِ عائشة ليقرأ عليها آياتٍ من القرآن ، كانت عائشة قد انطلقت تلقائيّاً تزبدَ وترغد بفمها كلّ الشتائم التي سكنت رأسها يوماً ، بل كانت على وشكِ أن تهجمَ على الشيخ ناصر ذاته لولا أنّ والديها قد أحكموا قبضتهم وحوطوها بأذرعتهم.

لم تتجاوز عائشة ربيعها الثالث عشر ، كانت أميمة - صديقة عائشة المقرّبة- تقولُ دائماً أن ثمّة شياطين كثيرة تسكنُ رأس عائشة ولكنها لم تجروء يوماً أن تُعلن ذلكَ أمام صديقتها ! قالت أميمة لوالدتها ذاتَ يوم ، أنّ ثمّة وجوهاً كثيرة من الشياطين تزورُ عائشة كلّ يوم ، وأنّ الخوف يتملكها حالما تبدو صديقتها قد فقدت صوابها فجأة !

قرأ الشيخ ناصر ويدهُ على رأسِ  الصبيّة التي غطتها والدتها بغشاوةٍ سوداء بعض الآيات ، انتفضَ جسد عائشة النحيل ، تحوّلت الصبيّة الهادئة التي لم يُسمع يوماً همسها إلى امرأةٍ ثملة فقدت عقلها تماماً ، كانت تُقذف الكلام من لسانها بدونِ تفكير ، تضحك ثمّ تصرخ ، تبكي ، تمسح دموعها ثمّ تتملكها من جديد الرغبة بالتنمّر على الشيخ ناصر ! ذلكَ الصباح ، اليوم الذي ستراجع فيه عائشة  آخر سورةٍ قد حفظتها من القرآن على يدِ المعلم عبدالله ، اليوم ذاته الذي عرف كل أهل القرية الخبر ، سقطت الفتاة مغشيَّاً عليها قبل أن تبدأ بالتلاوة ! قالت أميمة لوالدتها : بعدَ ذلك الصباح لم تعد عائشة كما هي ، ثمّة شيطان تلبسها !
والدة أميمة حكت لصفيّة أم عائشة عن الشيخ ناصر وأنّ كل الذين يذهبون إليه مهما بلغت علّتهم يُشفون بعد جلستين تماماً !

لم ينتظر الوالدين طويلاً ، أخذوا الصبيّة التي عُرفت دائماً بوقارها وبذكاءها المتقد إلى قارئ القرآن الشيخ ناصر ليقرأ عليها. كانت صفيّة تبكي ، تتوسل الشيخ بأن يُشفي ابنتها ، بينما ظهرَ القلقُ جليَّاً على وجهِ زوجها الذي قال بأنهُ سيدفع أي شيء مقابلَ شفاء ابنته. لم يكن يخفى على الشيخِ ناصر علّة الصبيّة، إنهُ بموهبته يستطيع إدراك حالة الشخص وسببِ مشكلته ! بهذا كانَ قد أدركَ تماماً أنّ جنيّاً قد تلبسَ الصبيّة ، وأضافَ الشيخ ناصر وهو يحدّقُ بصرامة على وجهيّ والديها ، يمشط بأصابعه اليسرى لحيته التي شاب جزءاً كبيراً منها : بأنّ شفاء الفتاة سيكون بخروج الجنيّ إلى مسببه !

مضت أشهراً طويلة ، لم يكن ثمّة حديث يدورُ في القرية سوى الفتاة حافظة القرآن التي تلبسها جني .
لم تُسمِّع عائشة سورة البقرة ، ولم تعد تستطيع أن تفعلَ ذلك ، كانت تغنّي بدلَ أن تقرأ  الآيات حالما تطلبُ منها أمها تسميع  سورة البقرة. كانت الفتيات يذهبن ليستكملن دروسهن مع المعلم عبدالله ، وحدها عائشة لم تكن تذهب ، تعودُ أميمة كلّ ظهيرة إلى صديقتها ، تمسكُ يدها وتخبرها بحماسٍ بالغ ماذا حدثَ في جلسةِ ذلك اليوم ! ومع أنّ عائشة لم يكن ذهنها حاضراً إلا أنها كانت تبتسم حينَ ترى أميمة ، وربما تحيلها بعض أحاديثِ أميمة إلى آلةِ ضحكٍ مستمرة ! جاءت أميمة ذلك اليوم وأخبرت عائشة بأن نصف الفتيات تسللن هذا النهار دونَ أن يعدن لـ الدرس، بينما كان موسى يسمّع سورة البقرة بينَ يديّ المعلم ! ضحكت أميمة بانفعال : فجأة يا عائشة شاهدنا المعلم عبدالله يضحك ويبكي في وقتٍ واحد حتى فقدَ صوابه ، كانَ حينها موسى قد أتمّ تسميع سورة البقرة.


لم يمضي وقت طويل ، كانَ كما لو انتقلت حالة العته من رأسِ عائشة إلى معلمها السبعيني ، ولم تتذكر عائشة أبداً ماقد حدثَ لها . بعدَ شهر واحد كانَ فتيان وفتيات القرية ينتظرونَ معلماً جديداً للقرآن ليأخذ دور المعلم عبدالله الذي لم يُعرف أبداً أينَ اختفى وماذا قد جرى له.

انتهى


السبت، أكتوبر 18، 2014







أنا عاجزة من أن أحلُم ، و كل صباح جديد لا تساورنِي خلاله أي رغبات جديدة أو أمنياتْ تنبثقُ هكذا على سبيلِ الشغف بالشيء . أو ربما لم أُلهم منذُ فترة بفكرة أو بعمل فنّي ولم أعد أنتبه سوى لعجلةِ الأيام المزدحمة التي تبدأ في الساعة السابعة والثلث حينَ أكونُ في الشارع الطويل المزدحم المؤدي للجامعة. 
حتى آخر الكتب التي قرأتها كانت سيئة لدرجة أنها استهلكتني ولم أكتب عنها نبذة مختصرة حتّى. 

انتهيت قبل فترة قصيرة من أوّل تجربة رسم قصة أطفال و لا أعرف بعد متى سيتم نشر الكتاب أو عن الميعاد الذي سأراهُ فيه حقيقيَّاً لابتسم  أو ربما لأقلبه مع طفل ليخبرني أنه يتمنّى أن يركبَ غيمة ( ثيم القصة عن السحاب) . 

أتسائل إن كنّا نكبُر لتتوقف عن الحُلم وعمّا إذا كانت الحياة ونوعيّتها تفقدنا ذلك بتلقائية . وأخافُ كثيراً أنني أستهلكُ وقتي في الغياب في تكرارية البشر وهواياتهم و ممارساتهم ، على سبيلِ المثال يبدو لي أحيانا أن الإنستغرام يجعل من المستخدمين نسخة واحدة تَذوبُ خلالها هويّاتهم .. 

أصلّي لله أن يحميني من غفلة القلب التي توشكُ أن تميتَه ومن تكرارية البشر و ماديَّتهم . ومن مجاملات الحياة التي لا تنتهي . أصلي أن يُلهمني كما يُلهمُ طفلة في الثامنة وكما تحلمُ صبيّة في السابعة عشر وكما يعملُ شاب في الثلاثين. أليسَ ذلكَ كافٍّ لنبقى غير مُستهلكين ؟

في روتينية الحياة لا تنسى أن تبقى طريَّاً بالحلم . 

الثلاثاء، أغسطس 19، 2014

عن التجربة الأولى



ما الذي يجعل لـ تجاربنا الأولى سحراً أعمق ؟ أو ذاكرة أكثر دهشة دونَ غيرها من التجارب أو الخبرات مهما بدَت كبيرة ؟

استغرق يومي الأوَل -وربما امتدَ الوضع لـ الأسبوع الأوّل بأكمله- بتأمّل مكاتبِ الموظفين الذين طرأتُ عليهم" كـمتدربة". كانت اللعبة لذيذة : أستغرقُ في تأمّل الأشياء الصغيرة في المكتب ، لوحة مرسومة ، صورة مُلتقطة ، نوعيّة الأقلام و علب الأقلام على سطحِ المكتب ، الرسوم والنقوش على كوب الشاي ، طريقة تصفيف الورق ، الفوضى ، عطر ، مرآة ، التنظيم الدقيق لـ الأوراق ، بعض الأشياء الغريبة المُدهشة . التأمل يستمر طويلاً ، ثمّ أبدأ بمراقبة صاحب المكتب أو بتخمين نوعيّة الشخص انطلاقاً من التفاصيل التي أمعنتُ فيها النظر. كانت اللعبة لذيذة متأكدة من ذلك ، لصبيّة في سنتها الجامعيّة الرابعة لـ ترى عن كثب بيئة الوظيفة و الحوارات التي تدور بين الموظفين لساعاتٍ طويلة . 


كانت الصورة معكوسة حينَ أفكّر بكيف رآني الآخرين في لقائي الأوّل بهم ؟ إن كنتُ أجدتُ التعريف بنفسي ، ما إذا كانت ابتسامتي هادئة وغير مُتكلّفة ، ما إذا كنت مُنطلقة أو خجولة أكثر من اللازم ؟ عن الإنطباع الأوّل الذي أوجدته انطلاقاً من الكلمة الأولى التي نطقتُ بها في التعريف الأوّل ؟ وإذا كانَ ينبغي أن أصافح ولم أفعل ذلك ! تثيرُني كل هذهِ التساؤلات ، أنا التي أعرفُ غالباً أن الانطباع الأول دائماً عنّي يكونُ مختلفاً عن الانطباعات الأخرى التي تأتي لاحقاً . 


التجارب الأولى من كلِّ شيء أحبُّ الاحتفاظَ بها في الذاكرة طويلة المدى ، ربما لأنّ لها مذاقها المتفرّد.