الأحد، ديسمبر 04، 2016

عنِ الحبِّ و النيَّة و اصطيادِ الدهشة



لقد قرأتُ ذاتَ مرة لـ غوستاڤو أريلانو واصفاً أن أفضل علاقاته بمؤلفاتِ ماركيز لم تكُن لا "مائة عامٍ من العُزلة" ولا حتى "الحبُّ في زمنِ الكوليرا" بل لم تكن إحدى رواياته بل كانَ حواراً صحفياً لمجلة باريس ريڤيو قُبيل حصولهِ بعامٍ على نوبل. أفكرُ بهذا الأمر على محملِ الجدّ. اكتشفتُ أورهان باموق من خلالِ خطبتهِ الشهيرة المُدهشة في حفل تسلّم جائزة نوبل! لا "اسمي أحمر" ولا " إسطنبول" كانا سبباً في ذلك.
لم أكن في أي وقت مُهتمة بقراءة مقدمة ابتدعها الكاتب أو اختارَ شخصاً ما شهيراً ليقدم عملهُ الأدبي! بل آمنتُ دائماً أنّها وحدها الموهبة من يجب أن تفعلَ ذلك.

في إحدى المرات قُبيل دخول سارة ابنة أختي للمدرسة حينما كانت تقطف أوراق شجر الزينة مع أقاربها بكل شقاوة ، قلتُ لها بشفقة أنَّها آذت الشجرة المسكينة التي حلُمتْ دائماً بحياة مميزة بل آذتها لأنها كانت تشعر بألم! أذكر تماماً ملامح سارة وقتها وهي مُصابة بالدهشة. كانت تلك المرة التي فهِمَتْ خلالها أن الشجرة إحدى الكائنات الحية في هذا الكون البديع. كانت سارة دائماً إحدى طرقي في الاتصال بصوت طفولتي الداخليّ ، بأحلامي الغضَّة برغباتي اللامتناهية التي اكتشفتُ لاحقاً أنني بدأت أفقدها مع تقدمي في العُمر. لقد اخترتها دائماً لتكون صديقة تنقذني من رتابةِ الحياة! لاحقاً صار "عليّ"  الصغير ابن أخي  طريقتي الأخرى في اصطيادِ الدهشة و الوداعة. أحبُّ طريقتهُ في الضحك ، ابتسامتهُ التي أحاولُ دائماً خلقها ، الجري خلفهُ و تشارك حبّ القطط! في إحدى الأسابيع الماضيه قرأتُ لهُ قصة "السحابة تتمنى"! لقد كان وجهه مسكوناً بكل التعابير التي وددتُ دائماً رؤيتها وأنا أرسمُ القصة. ثم حين وصلنا إلى مقطع : ..." حزنت السحابة الصغيرة" وبصوتٍ مُثقل وحزين هرب الصغير وجرى بعيداً عني صارخاً فيما معناه : "لا أريد! " ضحكتُ كثيراً ، كانت تلك ردة فعل مبهمة بالنسبة لي من طفل يتقاطع مع فكرة الحزن وإن كان لا يفهم التراجيديا الحقيقية لذلك بل استطاع بذكاءه أن يقرر أنهُ شيءٌ غير محبب بالنسبة له ويجب تركه! -علي كان سيكمل بعد هذه الحادثة عمر السنتين بعدة أسابيع-  في وقتٍ لاحق انضمَّت ابتسامة يزن -صديقي الجديد- وذكائهُ المتقد في الحصولِ على مايُريد بل ومحاولاته المتكررة لإنجازٍ ما ، ما يسميه الراشدون بالنمو! وحدهُ يزن حملني على محملِ الجد لحفظِ التهويدات التي سينام عليها لاحقاً بين يديّ حين أستسلم لبكاءه أو في كرسيه حين أنتصر أنا!

ليسَ "النمو والتطور" غاية يجب أن نبتهج لأجلها إذا لم تكُن مسكونة بالنوايا! إنها وحدها "النيَّة" من جعلت تكاثر الإنسان مُكرمّاً أكثر . وإلا فـ البكتيريا أيضاً تتكاثر! لماذا شهوة الإنسان وهمجيته تدفعهُ اليوم نحو تصرفات _حيوانية_ ينفر منها الوعي ؟ لماذا جعل المجتمع من الزواج مرحلة لاوعية للحياة . يُنفق مادياً لأجله أكثر مما ينفقه الفرد روحياً وذهنياً! ثمة قصة السيدة مريم التي ذكرها الله - عزّ وجلّ- في مواضع عدة من كتابه. قصة بها من بديع المعاني أجلّها وأحسنها! لحظة التنوير في القصة تبدأ حين تولدُ السيدة مريم  لتناجي امرأة عمران ربها حين وضعت (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ) آل عمران-٣٦. ألم يكُن الله عنده علم الغيب وأعلم بما ستضع؟ بلى لكنها كانت قد نوت بأنها إذا وضعت صبياً فستستعملهُ في خدمة بيتِ الله الحرام (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ) آل عمران-٣٦. 
على مدى سنوات حياتي حققت بفضل النوايا الصادقة ما لم أعرف أنه من الممكنِ تحقيقه. سمعتُ ذات مرة امرأة فاضلة تقول أنَّ الله يتحسس دواخل الناس ، إذا وجدَ صدقاً يسر لعبده الطريق وحقق مراده وأعطاه على ذلك أجره! 

مثلما أسرق الوقت لأقرأ ، أفعل الأشياء التي أحبها ، وأختلي لأفكر ، أخلقُ النوايا بداخلي أيضاً التي تأتي من مرحلة تراكمية من التساؤلات والمعاني التي عثرت عليها خلال رحلة الحياة الماتعة بصعوباتها وتيسيراتها. ثمة أبواب كثيرة تِفتح ، سماوات تضاء في ذهني ، نجوم لامعة تضيء في قلبي! حياة واحدة ثرية ستكون كافية جداً إذا تعلمت كيف أقومُ  بها على أكملِ وجه! 


كانت هذه تدوينة غير مخطط لمحتواها لكنها أخذت هذا المسار . أنا سعيدة بها! 
ثمة كلام كثير آخر له تتمة.  

الأحد، نوفمبر 13، 2016

رسائل عابرة إليهم -٤-



قبل ليلتين تماماً من مجيء "أحمد" كتبتُ لهُ هذهِ الكلمات! خالتهُ التي كتبت له قبل مجيئه ، أحبّته أيضاً بكلّ كمال الحب وقداسته .. قبلَ مجيئه أيضاً! 




-
أتأكد مراراً في مُخيِّلتي أنَّ "حمودي" المتكور في بطنك يشبُهكِ كثيراً . بشرتهُ بيضاء، وجههُ مستدير و شعرهُ أسودٌ فاحم .. واخترت أن تكون عيناه تشبهُ عينيّ والده لسببٍ لا أعلمه ربما لأنَّ على الطفل أن يأخذ شيئاً أيضاً من والده! 

في المرةِ التي أتأكد يقيناً أنكِ ستصبحين أمّ ، أتذكر سنوات المُشاغبةِ الأولى ، طفولتنا معاً وصداقتكِ الجميلة التي كوّنت ذاكرتي الغضَّة! المرات الكثيرة الكثيرة  التي اخترنا فيها ألعابنا معاً من محل الألعاب بعد نهاية كلِّ عام دراسي . لعبتانا اللتان تحملان ذاتِ الشكل واللون ومع ذلك ستميز دائماً كلتينا لعبتها الخاصة لكي لا يحدثَ خصام يؤولُ إلى طريقٍ غير مرغوب! اتهامكِ الدائمُ لي بأني بدّلت بين غرضينا التوأمين لأحلف دائماً أنني لم أفعل!

 لقد كنتِ دائماً على علاقة بأيِّ شيء يحصلُ لي أو أي حماقة أرتكبها بشكلٍ مباشر أو غير مُباشر. حتى موعد مجيئي  لقد تقدمَ بفعلِتك التي افتعلتيها وكنتِ سبب خوف والدتي لتُجبرَ على إخراجي في غير موعدي! أنا أعلم أنكِ كنت متحمسة جداً جداً لمجيئي!!
 وإلا فما كنتِ حصلتِ على صديقة تشارككِ شقاوتك و ملابساتك و خططكِ التي نمت على رأسك دائماً ولم تجدي أحداً ليشارككِ تنفيذها!

لقد كُنتِ اطمئنان الصفّ الأول و الخامس وصف العاشر وسنة أولى جامعة والمرة الأولى التي أشعر فيها بعدمِ الإتزان   هي المرة التي لم أجدكِ فيها قريبة في الجامعة،حين تخرجتِ! لم يعد أحدٌ يقولَ لي أنهُ وجدني في الممر الفلاني لأنكر ذلك لأكتشف لاحقاً أنكِ أنتِ من كُنتِ !
 لا أعرف كيف على مخاضِ الولادةِ أن يكون ، لكنكِ أبصرتني دائماً إلى علاقتكِ بالسيدة العذراء مريم عليها السلام ، لقد أحببتُها كما أحببتِها لدرجة أن ماما اختارت أن تناديكِ مريم .. إن الله الذي أخذ بيدِ السيدة مريم للخلاص بقادرٍ أن يأخذكِ إليه. 
.
.
سأخبر حمودي أن ماما كانت فلكيَّة بالفطرة ، امتلكت أجمل التيليسكوبات ، لم تذهب إلى ناسا بعد ولم تلتقِ مريم شديد لا في المغرب ولا فرنسا ، لم تذهب إلى المريخ .. لا ليسَ بعد . لكنها كانت عبقرية جداً لدرجة أن اصطادت النجومَ من السماء.

مرحباً حمودي 💛
خالتك هالة التي تحبّٰك 
٥/ نوڤمبر / ٢٠١٦
11:07  مساءاً

الجمعة، نوفمبر 04، 2016

منصة التخرج




.


أذكرُ السيدة الكبيرة في السنّ التي رأتني قُبيل حفل التخرج أمشي بجانب صديقتي إلى  المسرح المفتوح بالجامعة ، لقد كانت تماماً كما لو أنَّ الله وضعها في طريقنا ذلك المساء . ابتسامتها العذبه وصلواتها التي انهلَّت بكلِّ عفوية ، سأتذكرها دائماً ! 

وكعادته ، في صباح ذلكَ اليوم بعد احتفاءة حفلة القسم التقيت بمشرفي وجه لي نظرة مستفزَّة حين رأى خاتماً بأصبعي ، ابتسمت كما لو أنَّ تهمةً وُجهت لي ! ثمَّ دار حواراً جميلاً -سأتذكر لاحقاً- في عُمرٍ آخر أنني عثرتُ على الرضا الذي بحثتُ عنه وأنني أخيراً قررتُ الوقوف لأخذ تنهيدة طويلة لأتذكر دائماً أنني فعلتُ ما بوسعي ، وأن  الطريقَ الذي اخترته بمشقّة الباحث ، كان طريق اصطفاءي لحيثُ أرادَ الله ذلك! وأنَّ أيام عناء الشكوك قد ولَّت! 

كم مرَّة حسبت المسافة إلى منصَّةِ التخرج! من السخرية، أنا التي حالما وصلتها بلغتها بأسرعَ مالديَّ ، تماماً كما لو أنَّ شيئاً قادماً ينتظرني .. لا وقتَ حتى لأخذِ صورةٍ جيدة! 

الدانتيل الفرنسي البنفسجي الذي صنعَ لي يومي ، عطر narciso الأبيض الذي يصفُ روحي ، الابتسامات.. العناقات والقبل العفويَّة ، الصور المُلتقطة الكثيرة، وشاح التخرج الجديد الذي بدأ معنا رحلته القادمة ، وكلَّ كلَّ الوجوه التي ابتسمت لي وكانت ابتسامتها طمأنينة! كلمات الذين أحببتهم!عناقات الصديقات و الشعور المخبأ الجميل .. لقد كان كل ذلك أجمل من أن أستطيع تجاوزه.


لا الطريقُ انتهى ولا الرحلة ، لكنَّ شيئاً يبتدئ اليوم أيضاً . الأحلامُ الجميلة ، الآمال المسكونة في قلبِك ، رغباتك الكثيرة و إيمانكَ العظيم! ثمَّة رحلة أطول ، أكثر تحدٍّ .. لعلَّها ستستنزفك لكنها ستظهر معدنك! 

إلى أولئك الحالمون : عيشوا اللحظة بتفانٍ ، استنزفوا كلَّ طاقاتكم .. لاحقاً في لحظةِ التتويج ستكون الفرحة مُضاعفة! وستستحقونها بجدارة! 

مقطع سأحبُّه دائماً - ولكي لا أنسى- مآل عذاباتِ البكالوريوس : 

video


-فرحة التخرج ٢٠١٦
جامعة السلطان قابوس - مسقط

الجمعة، أكتوبر 21، 2016

ليسَ خلاصاً !




أعودُ مساءَ كلَّ يوم إليّ ، أمهد الطريق لألتقي بنفسي بعدَ مخاضِ أيامٍ طويلة لا تُشبهني ، لا تُشبه ما أحبّ ! لا تشبهُ حتى ما كانَ يدورُ في مخيلتي حينُ كنتُ أكثر حلماً ، أكثرَ ماذا ؟ لا أعرف! 
لقد كان زيفاً أن أسمِّي مرحلة إنهاء دراسة البكالوريوس بـ " الخلاص " . "الخلاص" شعورٌ زائف ..

 نخترعه لنتذكَّر أننا تعدينا مرحلةً هائجة! لكنه لن يعني بأيِّ حال أن ما بعدها يصبحُ أكثرَ هدوءاً و خفَّة . لم يعيقني أن أودِّع همَّ دراسة مواد كليَّةِ العلوم ، ولا مقابلة أكاديميّ القسم ، لا يعيقني أنني بكيت كثيراً في الليالي التي سبقت تسليم مشروع التخرِّج ولا صلابتي أمام مشرفِ المشروع الذي راهنَ دائماً على دموعي ! لا يعيقني أنني ودعت تفاعلات العنصر الذي أخذَ تفاعلاتهُ من شخصيَّتي كما قال لي مُشرفي ذات مرّة  ولا ومن قدرتي على المضيّ بسلاسة إلى الإتزان الذي أُريد ..  لم يكُن الأمر أنني أنهيت كل تلك المشقة التي لم أظن يوماً وأنا غارقة فيها بكلِّي أنني سأتخطّاها ! ولا حتى لأنه لم يعُد للخسائرِ الماضية أي معنى! لقد حدث و مضى! 


ما يعيقني -ربما-هو شعورُ الزيف هذا! بينَ أن توجد وأن لا توجد! بين ما ترغب وما لا ترغب! في المسافة بينك الداخلية وبينك الخارجية! في فكرة أن ما ترغبه ليس ماقد تحقق أو ما حدث وكان! وبين أن القادم ليس إلا محاولاتك لاكتشاف ماتود أن يحدث. 

أخرجُ من رأسي ، أرتُبُ على كتفي ، آخذُ بيدي وأتذكر أن مابين المرء و قدره هي الصلاة التي رتلها داخلَ قلبه. 

*شكراً للأصدقاء الذين كانت رسائلهم الدائمة جسر عبوري لهذا المكان ، لقد آنستني كلماتكم دائماً . 

السبت، يونيو 18، 2016

لِتعارَفوا..






* صورة جماعية للفتيات في بيت الزبير


ابتسامة خجولَة ، ولأول مرَّة أتهجأ فيها اسمي بالعربية بكلِّ بطء : "اسمي هالة" ! 
اللحظة الأولى التِي عرّف فيها الأستاذ فيصل العوفي عنِّي في مركز امديست مسقط ، كنتُ أتأمل الوجوه العشرة في القاعة التي بادلتني -فضولها كذلك- والقادمة قبل ليلة من الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة لتعلِّم اللغة العربية لغيرِ الناطقينَ بها في تحدٍّ (بالنسبةِ لي) لمدة سبعةِ أسابيع! 

كانت وظيفتي إذاً أن أُجالس مجموعة منهن لمدة ساعة يومياً لممارسة اللهجة العامية أو اللغة الفصيحة وكانت تُشاركني ذات المهمة : ذهلاء و مزنة ، ريم وأفنان  ، أتحدث معهن عن الثقافة العُمانية والعادات والتقاليد بعد أن ينهين حصص القواعد خلال أربع ساعات .. لا أنكر أنَّ الأمر ابتدأ بهذهِ الخطوط العريضة ، اللقاء الأول كان مُدهشاً ، ساعة واحدة تحدثنا فيها بالإنجليزية كانت كفيلة لتجعلني أؤمِن أنني لم أستفد تماماً من تجاربي الدراسيَّة أو لنقل أن تجاربي الدراسية كانت ضحلة جداً . كانت لِيا -سبعة عشر سنة- تُتقن علاوةً على لغتها الأم لغات أخرى : الفرنسية ، الإسبانية ، الألمانية .. وجائت لتعلّم العربية
 ( ستمرّ الأيام وستُدهشني قدرات لِيا الفائقة في تعلم العربية ، أنا التي ظننت دائماً أن حصص النحو كانت أصعب ما خلقهُ العلم ). جانِيل الهادئة جداً كانت تتقن لغة الإشارة بطلاقة ، حينَ كانت سلام تُغني إحدى الأغاني بصوتها العذب  كانت جانيل تغنيها بأصابعها .. وكانَ عليَّ أن ألتفِت لحلمي القديم بتعلّم العبريَّة .. ولم يحدُث ذلكَ بعد !! 

مضَت كل تلكَ الأيَّام ، بقى منها شعوري الطريّ بالحُلم و الدهشة النابتين في قلبي. الأحاديث كانت ثريَّة ، النقاشات كانت تشتعل و الفضول كانَ يصلُ أوجه بالنسبةِ لهن في فهمِ قضيَّةٍ ما أو عادة ما يمارسها العمانيون . كنت أستطيع دائماً أن أقرأ فضولَ الفتيات في معرفةِ "كلِّ شيء" .. وكلَّ شيء هذه كانت تكبر دائماً وكل يوم . 
في العامِ الماضي حين كانت تتعرّف الفتيات على العادات العُمانية في إلقاء التحيَّة .. كان ضجيج الشارع الأمريكي يصلُ أوجه حول منح الحقوق لـ المثليين . أستطيع اليوم أن أتذكر  كل نظرات الدهشة حين تعرفت الفتيات على طريقة إلقاء التحية بـ "القُبل أو العناق" في مجتمعنا العُماني . ثمَّ كان علينا أن نجيب على الأسئلة الكثيرة التي تأتي تباعاً بعد كل "صدمة حضاريَّة" تُدهش الطرف الآخر هه! من حُسن الحظ أننا كنا قد تلقينا إخطار كامل من قبل مركز امديست قبل مجيء الفتيات بعن نوعيَّة ومستوى النقاش وأينَ يُمكن أن يصل ! كانَ ذلكَ مُريحاً جداً ، كنت أظن دائماً أنني لستُ مضطرة للإجابة عن كل الأسئلة -خاصة الدينية- التي قد يختلف فيها اثنين يدينونَ بنفس الدين في بلدٍ واحد ! 

بعدَ مضيِّ الأيام ، لا أظن أننا تركنا سؤالاً واحداً دونَ إجابة في أذهانِ الفتيات ، ليسَ لأننا -أنا وزميلاتي في التجربة- نملك كل الأجوبة ولكن لأننا استطعنا أن نحيل النقاشات دائماً إلى جلسات وديَّة أكسبناها طابعها الشخصي الذي كانَ يمثل رأينا نَحن وثقافتنا . كانَ مُدهشاً جداً أن تستطيع فتاة من بيئة مُختلفة تماماً مكثت سبعة أسابيع في عُمان أن تغوص في عُمق القبائل وأصولها ! ثم تستطيع أن تحدد بذاتها عمَّا إذا كانت -فلانة- من الأصول الفلانية أم لا ! أليسَ ذلكَ مُدهشاً ؟ 

كنّا نقضي الجلسات إمّا بداخلِ المركز أو خارجه في جولةٍ مثلاً ، أذكرُ في إحدى المرات التي شاركنا الفتيات الجولة إلى "بيت الزبير" وقوفي واميلي بجانبِ لوحة فنيَّة -كان سعرها يصل لعشرات الآلاف-   سألتني بصوتٍ هادئ عمَّا أراه .. لم أكُن لأخوضَ في نظرتي العُمق ذاته الذي خاضته ثم استمعتُ إليها .. كان صوتها الداخلي مُبهراً ، كيف يُمكن لصبيّة أن تنظر للوحة -في قرارة ذاتها باهتة- بكلِّ ذلك العُمق والإتساع ؟ 

تجربة مثلَ هذه يخوضها المرء في حياته ، ستعلمه المعنى العميق لقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات ،الآية: ١٣]

في الأيام الأخيرة ، كتبت لنا الفتيات الكثير من الكلمات التي لا أزال أقرأها وابتسم بحبّ ، ثمَّ أشعر بالـسعادة في كلِّ مرة أجد الفتيات -اللاتي لا يزلن يتواصلن معنا- يكتبن بالعربية . 

مضى عام على هذهِ التجربة ،وثمة الكثير الكثير لم أقله ، كتبتُ عنها اليوم لأنها تستحق أن تُحكى على الأقل لكي لا أنسى أنني خضتها ..
 وإذا سمحت لكم الفرصة بأن تخوضوها فخوضوعا "بحبّ واتساع" .
ربما أعودُ يوماً ما لأقولَ المزيد، شكراً لكلّ الذين جاؤوا في غيابي  ليقولوا لي :اكتبي نحنُ نقرأ ! شكراً !


هالة / مسقط 

الخميس، يناير 28، 2016

كانت كلمة صغيرة

*الرسمة لـ Tami Traylor 

يوم الأحد الرابع والعشرون من هذا الشهر ، في اللحظة التي قالت لي دكتوره ليزا : congratulations you're done  كنتُ قد وُلدت لمرةٍ أخرى بقدرٍ جديد في حياتي بإبصار ستة على ستة منذُ ثمان سنوات . كانت لحظة صادقة جداً ، عشتها بتفاصيلها ، أردتُ خلالها أن أستيقظ من السرير لأعانق الدكتوره ليزا لكنني اكتفيت  بشكرها وقولي : "أنكِ مُدهشة " . في تلك اللحظة ذاتها التي أمسكَتْ خلالها برأسي كتقديرٍ منها ، تعلمت ما معنى أن تُقدّر  الآخرين بكلمة صغيرة جداً . قد تُحدث فرقاً في حياة امرأة ستينية جاءت من بلادٍ آخر لتُمارس مهنتها بإخلاص .


ستُكملُ عبارة بائع الكتب من "دارِ مدى" في قلبي عاماً مُذ قالها لأمي يومها ، كانَ يوماً مُنتظراً لصبيّة مثلي لا تؤخر الذهاب لمعرض الكتاب السنوي . قالَ يومها لأمي : " أهنيكِ فيها" ، لم أشكره وربما لم أتفاعل مع كلمته بشكلٍ مثاليّ واكتفيت بابتسامة خجولة جداً ، منها لم أدري لمَ قد يقول شخص غريب عنّي شيئاً كهذا ؟ رجل ربما في أربعينياته يراني للمرةِ الأولى ، لا يعرف طقوس مزاجي ، لا تاريخي القصير ، لا تخصصي الجامعي ، لا يعرف أنهُ بكلمة صغيرة جداً عمّر بداخلي زهرة صغيرة  أشرقَتْ . هذا الرجل ذاتَهُ الذي آمنَ بي في موقفٍ قصير عابر جداً يُذكرني بأشخاص كثر مروا ، كانَ وجودهم مكسبٌ أثرى روحي . قد تنسى عابرونَ كُثر لكن ليسَ الذي آمنَ بك أو أحسنَ إليك . على الأقل إذا كُنتَ حرَّا كما يقولُ أبي دائماً.

قصص صغيرة لكنها وُجدت لتُحدثَ فرقاً في رتابةِ سير الحياة ، و ما حدث ما كانَ ليخطئ طريقهُ إليّ ، أن العصفور الصغير الذي نقرَ نافذة غرفتي فترةَ بداية شتاء كامل ، كان قد جاء إليَّ أنا ، عمّال محطة البترول القريبة من منزلي الذين يحبّوا مشاركتي أحاديث قصيرة بين فترة وأخرى ، دعوات عاملة النظافة في ممرّ الجامعة ، فطومة الصغيرة التي قالت لي كلمات حلوة يوماً ما ، عناقات سارة العنيفة ومع كل ذلك أحبُّها .حتّى الfull -light الذي كنت أتلقاه في الشارع في فترة فحص سيارتي و رغبة العامة بأن يُشاركوك الاحتفاء بسيارتك الجديدة ."شكراً جزيلاً" التي يقولها أحد عمال الأجانب في استهلاكية الجامعة لزبائنه - يقولها بكلِّ فصاحة تبعث على الدهشة -  ربما قد تتنوع الأساليب ، لكن كلها قد تُحدث فرقاً !


"كلمة صغيرة" قد تُحدث فرقاً .. شكراً ل الشخص الذي كانت رسالته في الsayat.me دافعاً لكتابة هذهِ التدوينة :) ، مضى وقت طويل وأنا آسفة ، ما يحدث فعليّاً هو أنني لا أريد أن يتحول التدوين يوماً ما إلى عبئ وبين هذا وذاك .. تنسى كيف تدون . ومن أجل ذلك سأشارككم إحدى فروضي لهذا العام  وهي انضمامي ل ١٠٠ مدوّن عربي لـ الكتابة شهرياً في مشروع انطلق من الرياض سُمي "أيام التدوين العربي" هُنا مدونته.

أتمنى أن يكونَ عاماً ثريّاً لي ولكم .
سعيدة بالذين يكتبون لي هُنا / وهذا عنواني.


هالة . مسقط ٢٠١٦


السبت، أغسطس 01، 2015


السلامُ على قلبي و روحي ، وعلى الصلوات التي تكبُر دونَ شعور ، دونَ تخطيط !
تكبُر وكأنَّ وحيّاً نُزِّل عليَّ وكأنَّ الله لم يخلُق سواي ليبتهلَ إليه .أو ليحدّثه حديثاً فارغاً إلا من الشعور.
السلامُ على الصبيّة التي ودّت لو تعودُ صغيرةً دونَ أن يمسَّها نصب الحياة و ثِقلها .. وعلى الأيّام التي مُنحت دونَ أن تستحقّ و لم تهِب أبداً كما يجِب . 

السلامُ على قلبيّ والديَّ ، أحباني دونَ شرط وفشلَ أقربَ الأصدقاء أن يتجاوزوا عن مساوئي ، السلامُ عليهم وعلى النورَ الذي منحانني إيَّاه ، على حبّهم الذي أغرقاني به وعلى السعادة التي يخلقانها لابنتهم الصغُرى . السلامُ على رسائل أبي التي كتبها لي . وعلى المنزلةَ التي منحني إيَّاها دونَ أن أكون قادرة يوماً أن أردَ جميلَ تربيته . السلامُ عليكِ أمِّي ، على صوتُكِ وحضنكِ و قلبكِ الذي أهوى .. 

السلام على أول شعورٍ بكلٍّ شيء ، على الصيحة الأولى ، والضحكة الأولى ، والكلمة الأولى ، والحرفَ الأول .. السلامُ على الامتنان الأول  وعلى المحبة الإلهية التي أدركتني منذُ الأزل . 

أنَا هُنا ، فقيرةً من كلِّ شيء إلا منك الهي .. ووالديَّ .