الخميس، يونيو 10، 2010

عُشرونَ عاماً في السجونْ !



لا أدري لم علّي أن أطرح "قراءة في كتاب" في ثاني تدوينةٍ لي في مساحتي الجديدة !
ربما لـ أنني افتقدتُ الحديث عن كُتبي الجميلة ، التي غيّبها القدرُ عنّي خلال العام الذي انصرمَ لتوّه ،

لكن أجمل ما في الأمر أن "الصيف قد ابتدأ" : ]


بعد أن استعرتُ رواية"السجينة" التي سمعتُ عنها كثيراً والتي قررتُ أن ألتهما بـشغف ،

قررتُ أن أواصِل مشاهدة أحداث عائلة "أوفقير" من خلال استعارة الكتاب الثاني "الضيوف" لـ رؤوف أوفقير شقيق مليكة أوفقير صاحبة "السجينة".
لستُ هُنا لـ أتحدث عن "السجينة" ، ربما هنالك المئات بل الآلاف من تحدّث عنها قبلي !
أنا هُنا لـ أتحدث عن "الضيوف" ،عشرونَ عاماً في سجون الحسن الثاني !
يمتلئ الكتاب بأكثر من سبعمائة صفحة من الحجم المتوسط الكبير ، التي يحكي فيها صاحبها كل الأشياء التي خُلقت له ولـ عائلته بعد أن سُجنَ هو وإياهم بـتهمةٍ لم يرتكبها أحداً منهم ، سوى لـ أنّهم ضلوا وسيضلوا يحملون اسماً يلتصِقُ بهم طوال فترةِ حياتهم !
حينما تنسجمُ مع تلك الصفحات ستعيش مآسٍ من "العذاب / الألم / الوجع / المرض / الجوع / الوحدة / الظمأ /.. " بجانبِ النقيض لذلك من سعادةٍ لم تُباد أبداً وروحٍ لا يزال يسكنُها الابتسام !
ربما ذلك التناقضُ العجيب هو مايجعل هؤلاء السجناء الذين لم يرتكبوا جريمةً بحقّ أحدٍ أن يستمرَ أحدهم يواسي الآخر طويلاً ، حتى يكادُ الأمرُ أن يصل إلى طلب اللجوء لـ الموت مرّاتٍ ومرّات !
إلا أنّ الـ هرب كان الخطّة المُثلى ، لـ انهاء كل ذلك العذاب لـسنواتٍ طويلة !


لـ أنني قرأتُ "السجينة" و"الضيوف" فأستطيع أن أقول أن "السجينة" رواية نُسجت من رحمِ المعاناة ، حكت تفاصيل حياةِ القصورِ والترف إلى حياةِ السجونِ والظلمةِ واليأس !
بينما "الضيوف" كتابٌ سياسيّ ، استطاع رؤوف أوفقير أن يحلل كل تلك الأوراق السريّة والسياسات الملكيّة ، وما تخفيهِ أقنعة رجال السياسة الكبار ...
جعل رؤوف أوفقير يروي مأساته ومأساة عائلته "والدته ، أخواته الثلاث، أخاه الأصغر، واثنتين من أقاربه" في سجونِ الحسن الثاني بعد أن ادخلوا في خلفيّةٍ لا تخصهم وإنما تخصّ والدهم محمد أوفقير !
بجانب أنّه حلل كل تلك الأحداث وروى الأوراق السريّة !

* كيف يمكنُ لـ بشرٍ أن يرتكبوا جريمةً بحقّ أطفالٍ أصغرهم كان في سنتهِ الثالثه بسجنهم عشرينَ عاماً سجناً خلف القضبان ، وسجناً مؤبداً في حياةٍ لن تستقبلهم كما كانوا من قبل !؟
"الضيوف" كتابٌ دسم ، أكثر من أن أصف بكلمة .. ولا يمكنني أن أقول أنني أوفيتُ شيئاً من حقهِ هُنا !
لكنني على الأقل أثرتُ فيكم رغبة لـ تبحثوا عنه ، ولـ تتعرفوا على ما وراء سطوره !

* سأتحدث أخيراً عن تلكَ الأشياء التي جعلتني لا أنسى "الضيوف" أبداً :

أحدها ،هو عبداللطيف الابن الأصغر لـعائلة أوفقير والذي كان في بدايةِ سنوات السجن في الثالثة من عمره، والذي أمضى نشأتهُ في سجونٍ من العذاب ، بقي هناك لا يعرفُ أبسط الأشياء التي لا نكنّ لها بالاً عن يوميّاتنا التي نعيش !
بذل أخوته في تعليمه خلال فترات السجن ، وحين هروبهم لم يكن قادراً على وصف "الرصيف" ولا "القطّة" التي رآها تحدّق في النفق الذي حفروه لـ يهربوا منه ، ولم يكن أبداً قادراً على تخيّل طعم أبسط أنواعِ الطعام ، وحتى عصير الليمون !

شيءٌ آخر : هيّ تلك الروح الجميلة التي تمسّك بها أفراد عائلة أوفقير ، من كل ذلك الكبرياء ، الحنكةِ والذكاء ، وكل تلكَ الشجاعة التي ورثوها ..والتي أبقت دائماً وطويلاً سجانوهم منبهرينَ بهم على أمدٍ طويل !

سأختمُ ، بهذهِ الكلمات التي ابتدأ بها رؤوف في "الضيوف" تحت عنوان (رؤيـا) :

أي ظلٍّ غريب في هاتين العينين المفتوحتين
يبحث في الحلم عن وميض اللهب؟
يدفنه الليل الكئيب بجناحيه
في صمت موسوم بكل الآلام !
أيُّ نشيد متموج بأمنيات صادقة ؟
يغني هذه الروح في أعماق قبر
هو فراشها الأثير
يستلقي عليه في المساء قلق الكلمات !
أية ابتسامة مرعبة لهاتين الشفتين ؟
المتفتحتين بأمطارٍ مريرةٍ تغرق الابتسامات
في القعر الكئيب للوداعِ الأخير !
من عساه يقولُ ذلك دون تأوهٍ
من عساه يشرح إن كان سعيداً ،
من عساه يشرحُ ما تخفيه من معنى كلمة :الوجَعْ ؟
*رؤوف أوفقير ، 30 كانون الثاني 1983

بقي أن أقول أنني إن سنحت لي الفرصة ، لقراءة الكتاب الذي ألفته فاطمة والدة رؤف ومليكة أوفقير عن تجربتها في السجن لـ فعلت !

هالة ،

ليست هناك تعليقات: