الثلاثاء، يوليو 31، 2012

عائدٌ إلى حيفا ، وأشياءْ أكثر عُمقاً !

وقالت فجأة : " لم أكن أتصوّر أبداً أنني سأراها مرّةً أخرى "وقال: " أنتِ لا ترينَها ، إنهم يرونها لكِ "

 


مَضى وقتٌ طويل على آخرِ مرّة أنهيتُ فيها كتاباً وجانبي الأيسَر يخفقُ بشدّة ، كأنّ صديقاً غاب أو تلويحةً نحو الأفق البعيد .. سأعترف أنّ "عائدٌ إلى حيفا" أجمل من "رجال في الشمس" ، لمَ ؟ لأنني وجدتُ التقنيَة السرديَة في الأوّل اكثر نضجاً من الأخير ، ولا غرابة لأنّ "رجال في الشمس " كانت الرواية الأولى لـ كنفاني ، ثمّ أن موضوع اللجوء صيغ بفنتازيا أكثَر من موضوع الهجرة الذي تعالجه رواية

 "رجال في الشمس" ، وهُنا  في ثيمة  اللجوءْ يُصبح "الوطَن" حاضراً بقوّة بكل فلسفاتِه العميقة :


 " ما هو الوطَن ؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلّا في هذهِ الغرفة عشرينَ سنة ؟ الطاولة ؟ ريشُ الطاووس؟ صورةُ القدسِ على الجدار؟ المزلاج النحاسي؟  شجرة البلّوط ؟ الشرفة ؟ ما هوَ الوطَن  بالنسبة لبدر اللبدة ، ماهو الوطن؟  أهو صورة أخيه معلقة على الجدار ؟ أنني أسألُ فقط"


"  أتعرفين ماهو الوطَن يا صفيّة ؟ الوطن ، هو أن لايحدث ذلكَ كلّه !"


الروايَة تحكي عن عائلة فلسطينيّة ، هُجّر الزوج من حيفا إبانَ الـ 48 مع زوجتِه التي مضى على زواجهما عاما ًونيف ، فتنسى "صفية" الزوجة ابنها الرضيع  "خمسة أشهر" في البيت ، ويختطفها الرُعب في لحظة إطلاق النّار وحين تعودُ إليها ذاكرتها تُصبح جميع محاولات البحث والعودة لـ البيت أشبه بالمُستحيلة ، يُصبحُ البيت الحيفاوي مُلكاً لـ الوكالة اليهوديّة والتي جلبت إليه مستوطنون من بولندا أقاموا فيه .. بعدَ عشرين سنَة يُسمح فيها لـ الفلسطينين بالعبور ، يَحدث أن يذهبوا لـ بيوتهم القديمة يطرقوا الأبواب و ...


هكذا بعدَ عشرين سنة وبعد عُمرْ يذهب "سعيد وصفيّة" لـ حيفا يطرقونَ الباب تواجههم امرأة مسنّة و تعرفُ من قسماتِ ملامحهم أنّهم أصحابُ البيت ! هُناك تتفجّرُ المشاعر و الذكريات من غُبارٍ كثيف .. عشرونَ عاما ًوابنهم "خلدون" أصبحَ يهوديّاً في بزّةٍ عسكريّة باسمِ "دوف" .. هُنا ، هُنا فقط يعيدُ سعيد و صفيّة صياغة معانٍ ومبادئَ كثيرة حين يلتقونَ فجأة بـ ابنهم .

وحين يردد "خلدون" على لسانِه أنّ الإنسان ما هو إلا قضيّة فإنه في الوقتِ ذاته يُعلن أنّ والديه هما "الضفّة الأخرى" من الحرب !

يقولُ كنفاني على لسان سعيد :" أفتّش عن فلسطين الحقيقيّة ، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة ، أكثر من ريشة طاووس ، أكثر من ولد ، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلّم . وكنتُ أقولُ لنفسي : ماهي فلسطين بالنسبةِ لخالد؟ إنه لا يعرفُ المزهريّة ولا السلم ولا الصورة ولا الحليصة ولا خلدون ومع ذلك فهي بالنسبةِ له جديرةٌ بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها "


تتكثّف الرواية حول رمزيّة "خالد" أحد أبناء صفيّة وسعيد .. خالد الذي أرادَ دوماً أن يحملَ السلاح وينتسب لـ حماس لكنّ صوت الأب ضلّ دائماً عائقاً أمامَ ذلك " لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل"

لكنّ الدرس يكونُ متأخراً !وقمّة التناقض أن يُصبح لـ سعيد وصفيّة ابنين على ضفّتين متقابلتين منَ المعركـة !!


*الكتاب العاشِر لـ 2012 

هناك 4 تعليقات:

أصيلة الكندي يقول...

عّن قراءتِكِ :
أحبَبتُ "رِجال فِي الشمس أكثر" بالرغم مِن أن كَنفانِي لم يُعالج فِيها سِوى قَضيةِ الهجرة والتي لَم ينتهي منها سِوى بِسؤال بَديهيِ مَفتوح "لِماذا لم يَطرقوا باب الخزان؟ " والإجابَةُ على هذا السُؤال رِوايةٌ بِحد ذاتها،قَد يكون غسان لجَأ فِيها إلى السيناريو السِنمائي وَكَتبها إعتمادا عَلى الصورة وّهذا ما أشرتِ إليهِ بقولكِ "التقنية السردية فِي الأول كانت أكثرَ نضجا" وّذلكَ لأن غسان كانَ يصور لنا الواقع الفلسطيني من منظورِ ثلاثة أجيالٍ متباينة فِي السن والتفكير إلا أن هماً واحِداً يجمعها !،وَكانَ يعتمدُ عَلى اجترارِ الذكرياتِ لكلٍ جيل لذلكَ انطمسَ بطريقة أو بأخرى ذلكَ الحس السردي الذي لَمستيهِ فِي عائد إلى حيفا ، ثمَ إن قضية اللجوء وحقِ العودة قضايا قَد أثيرَ عَلى أعقابهامالم يُثر فِي قضيةِ "الهجرة"!! ،شَخصيا كنتُ أعرفُ كيفَ ستؤول النهاية فِي عائِد إلى حيفا من منتَصفها ، ولم أتوقع البته النهايةَ التي آل عَليها حالُ "أسعد ومروان وأبو القيس" كنتُ اتأملُ لهم الأفضل ، مما يصور لنا النكبة بِكلِ سوداويتها الحلكة فِي عام 48 ،وّعن الصيغة فإن الصيغة فِي رجال فِي الشمس هِي ذاتها فِي عائِد إلى حيفا هِي ذاتُها صِيغة الفلسطِني اللاجي وَفِي كليهما تجربةٌ انسانية عاشهَا كنفانِي فِي الأولى شُعورياً وفِي الثانية عَلى أرضِ الواقع؛لكنَ تأثير الأولى إلى اليوم فِي دمِ كل فلسطيني أعمق ، وَعن "الأشياءِ الأكثرِ عمقاً" فتلكَ الأشَيـــاء لم يَرد ذكرها إلى فِ الـــ10 صَفحاتٍ الأخيرة من الكتاب !! ، عَلى المُغاير فِي رجالٍ فِي الشمس فُكل صفحة كانت تحمل بُعداً زَمنياً وإنسانياً غَير محدود، كحديثهِ فِي فصلِ "أبي الخيزران" عَن النضالِ للوطنِ المسلوب _" عشر سنوات وهو يحاول أن يقبل الأمور ولكن أية أمور؟ ... لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن وتبًا لكل شيء في هذا الكون الملعون! "_ هُنا وَفِي كل فصل كانَ ينقل لنا الصراع فِي حال المنسينَ هُناك ! ولا عَجبَ أن تشي نِهايةُ الروايةِ بموتهم ليقفَ القارِيء تأبيناً لِذلك ؛ واشاطركِ الرأي فِ كون الإنسان فِي نهاية الأمرِ هو القضية وعن معنى الوطن قلت لكِ سابقا أن من أكثر الأشياءِ التي استحوذت اعجابِي في الرواية تطرقهُ لمعنى الوطن ولكن باللهِ عليكِ لِم تطرق إليها هُنا وليس فِي رجالٍ فِي الشمس؟؟ إن للبعدِ التاريخي يدٌ فِي ذلك فتلكَ جائت لزَمنِ النكبة الزمنِ الذي يَمشي الإنسانُ فيهِ فِي دائرةِ العاطِفةِ والشعور والذكرى فجائت لذلك ،بينما "عائد إلى حيفا" فقد جائت فِي وضع تشربَ فِيهِ الفلسطينيونَ تلكَ العاطفة وأيقنوا ان صوتَ العقل هُوَ الأنجح فجائت تُوقضهم لِيبحثوا عن فلسطينَ الحقيقية_ "أفتّش عن فلسطين الحقيقيّة ، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة"_ويذروا الذكرى هَشيماً تذروها رِياحُ التغيرِ فِي المستقبل _"فالوطن عنده هو المستقبل"_ وَعن استعمالهِ شخصيةَ خالد كقالب أكثر من انسانِي كقالبٍ قومي وفكري وغيره من القوالب فتلكَ بَراعةٌ سَقاكِ اللهُ منها
أعتقدُ أنني أطلت الشَغبَ هنا وكُلها فِي النهايةِ وجهاتُ نظرٍ !!
دمـــــــ خَيراً ت يـــا "هالة فَلسطين"!*_*

هآلة ~ يقول...

رمّانة :
أولاً/ أعترفُ بذنبي فأنا تحدّثت عن (عائدٌ إلى حيفا) ولم أتحدّث عن (رجال في الشمس) ،ومع ذلك أصدرتُ قراراً - يعتبر ظلماً تجاه الأخيره-
*سأحاول كتابة قراءة قريباً حول (رجال في الشمس) والإجابة عن : لماذا لم يطرقوا بابَ الخزّان !

نعودُ لموضوعنا:
الأسلوب التصويري السينمائي في(رجال في الشمس) ساعدَ كثيراً أن تُحاك الرواية لعمل سينمائي ، ومع ذلك فإنّ -اجترار الذكريات- كما تقولين لثلاثة أعمار ليسَ عُذراً /ولا ينبغي أن يكون تجاه تقنيّة السرد واللغة المحاكة بها ! ولا أظن أنّ هذا سبب مُقنع لتفوّق الثانية على الأولى !!

*قضيّة اللجوء وقضيّة الهجرة كلاهما لهما ترتبات ، والأولى سبباً ل الثانية والحديث عن هذا الموضوع يحتاج استفاضة وإنّي أبرئُ نفسي !
ومع ذلك فكنفاني عاشَ الاثنتين على أرضِ الواقع ولم يعشهما شعوريَّاً فهو طوّر تجربته السرديّة من منطلق واقعي عاشه هو وفلسطينيون غيره !

** في (عائد إلى حيفا) بتاتاً لم يكن الحديث عن الوطن في آخر ١٠صفحات ، أُثبت لكِ ؟ الحديث عن الوطن بطريقة فلسفيّة و رمزيّة كان مذ أوّل الصفحات .. لكن حين تطوّر مفهومَه -وهو ما كان كنفاني يُريد ايصاله مذ البداية- قالها بصريح العبارة على لسان شخصيّاته ! لو لم تكن الرواية تتحدّث عن رمزيّة الوطن مذ البداية لما أقنعنا كنفاني ببساطة أنّ ( الوطن هو المستقبل وليسَ الماضي) .. ثمّ أن (حيفا) بحدّ ذاتها في عنوان الرواية حاضرة بقوّة !
أما عن (رجال في الشمس) فالمختلِف أنّ مفهوم الوطَن جاءَ بطريقة مغايرة عمّا جاءت به الأخرى ، الأولى : خيار الهجرة عن الأرض كان لا مناص منه وسبباً ل استمرار الحياة / الثانية تعمّق فكرة الوطن / كحقّ و شرعيّة ! لهذا لا أظن أن فكرة مقارنة أيّ الروايتين حملت مفهوم الوطن بشكل أعمق فكرة صائبة !!

لا عدمنا مشاغباتِك ؛)

أصيلة الكندي يقول...

هالة فِلسطين:
بعدَ ذلكَ الردِ المخيفِ فِي الأعلى فسأحاول جاهدة أن أُكثف هنا !!
عَنِ الذنوبِ اتجاه الكتب فذلكَ ادمانٌ امارسهُ لا أدري متى أصحو منه ،مضى عَلى حينٌ مِنَ الدهر مذ قراتُ "رجالٌ فِي الشمس"أذكرُ أنني قرأتها فِي أولِ أسبوعٍ لِي بالثانوية وبعدها نذرتُ نذراً "أن وداعاً لِما يسمى كتاب خارِجي"، الرواية يومها شَكلت فِي منحنياً أزمعتُ بعدهُ أن أكتب لها قِراءة وّكنتُ أذكرُ نفسِي مانسيتُ أن هنالكَ فرضاً تدوينياً ينتظرُني وَزخم الثانَوية أنسانِيها !! أُحِي فيكِ هذهِ الرعاية للكتب وعن "لِماذا لم يطرقوا بابَ الخزان ؟؟" فَغسان قَدمَ "ماتَبقى لكم" اكمالاً لِرجالٍ فِي الشمس وانا أجلتُ الإجابة عَلى هذا السؤال حتى تَصلني "ماتَبقى لكم "!


لنغرد حيثُ موضوعنا:
*الأسلوب التصويري يا فَتاة كانَ حاضِراً بِشكلٍ أقوى فِي "عائد إلى حيفا" وإن لم يظهرَ تأثيرهُ سَردياً فكيفَ تفسرينَ ظُهورَ كلٍ من فلم "عائد إلى حيفا" و"المتبقى" وتلاهما "مُسلسلٌ"و"مسرحية" عَلى الساحة الفنية ؟؟ إلا لأن الرواية تعتمد أيضاً على التصوير السنمائي !!

*عَن اجترارِ الذكريات وتعدد الشخصيات سأطرح عليكِ سؤالاً
لو قصصتُ عليكِ قصةً أبطالها ثلاثة أو أكثر فهل سيحضرُ تركيزُكِ وجمالُ السرد بالمقدرارِ ذاتهِ لو كان البطلُ واحِداَ_مع متعلقاتِهِ طبعاً_،هذا التنقل بين الأبطالِ فيها صَدقيني غيبَ ولو جزءاً بسيطاً من التدفق السردي !!
* عَن شُعورياً ،غَسان كانَ ابن 12 ربيعاً عندما تَم تهجيرُهُ وعاشَ نازِحاً فِي سُوريا كانَ صَبياً تَعلقَ بالأمرِ شُعورياً أكثر من كونهِ واقِعياً،ولا اخالفكِ الرأي في ارتباطِ تجربتهِ بأعمالهِ فهو استلهم "رِجال فِي الشمس" اثر سفره من "الكويتِ" إلى بيروت فِي سيارةٍ عاشَ فيها حَر الصحراء،واستلهم الأخرى من رحلةِ انتقالِ مواطِني حيفا إلى عكا وهو صَبي ،وَمن مرضهِ الذي لازمه كَتبَ"موتَ السرير رقم 12" وهكذا لكلِ ما يكتبهُ تجربةٌ زامنها يوماً ما !
*وعن الوطنِ الحاضرِ منذ صفحةِ العنوانِ فِي "عائد إلى حيفا" فكانَ ذلكَ بصورةٍ رمزية بدأً بِاستعمالهِ "حيفا" كعلاقةٍ جزئية ذكَر الجزء"حيفا"وأراد الكل"فلسطين" تارِكاً للقاريء نصيباً فِي تكميل الصورة أو تقويةِ العاطفة وَلم يأتِ ذلكَ بطريقة صريحة إلى فِي آخر الصفحات ثمَ كَيف اقنعنا بكونِ الوطن هو المستقبل وَهو شرعيةٌ وَحق إلى من تَهميشهِ للماضِي _"هي أكثر من ذاكرة"_ وهّذا أمرٌ اشرتُ لهُ سابقاً كانَ أمراً محال أنْ يتأتى فِي "رجال في الشمس" لأنها استندت عَلى الذاكِر ة؛ثم إنني لم أجرِ مقارنةً عن مفهومِ الوطن فِي كلٍ منهما البته!! كُل ما أردتُ قوله هوَ أنْ الأشياء الأكثر عمقاً ما كانت لتصلح فِي رجال فِي الشمس حتى لو ضمنت فِيها!!

دُمتِ خَيراً!

هآلة ~ يقول...

يا أصيلة :
لم أكُن أدري أنّ "ما تبقّى لكم" تكملةً لـ "رجال في الشمس" ، لم أستطع إكمال قراءة "ما تبقّى لكم " إلكترونيَّاً ، فعلاقتي بالكتب الإلكترونيّة ليست على مايرام!
أنا معكِ في الأسلوب التصويري الذي أنهى بكل روايات كنفاني أعمال سينمائيّة ، لكن ..
عن سؤالك / لا ، لازلتُ مصرّة تعدد الشخصيّات ليسَ عُذراً لـأن تحفى عائد إلى حيفا بأسلوب سردي ولغوي أٌوى من الأولى ! إذا أردتِ الجواب فاذهبي لتشاهديه في رواية "مائة عام من العزلة" مع أنني لم أستطع يوماً إنهائها إلا أن سرديّة ماركيز مشهودٌ عليها !

* التجربة الواقعيّة يا صديقتي التي عاشا كنفاني هي التي أنتجت تجربتهُ الشعوريّة !

* أظن أننا نمتلك الرأي ذاته فيما يتعلّق بـ مفهوم الوطن في "عائد إلى حيفا" !
لكنني أخالفكِ فيما يتعلّق بـ تجربة الوطن في الرواية الأولى وكما أشرت سابقاً .. كلّ قضية طرحت فكرة الوطن بما يتلاءم معها !

ودمتِ خيراً :)