الأحد، أغسطس 12، 2012

ماذا قالَ نوتوهارا عَنَّا - نحن ُالعربْ - ؟





*
قالَ لهُ وفيق خنسَه : "حتّى الأعمى إذا أمضَى أربعينَ سنةً في مكانٍ ما ، استطاعَ أن يرى شيئاً يستحقُّ الكتابَه" ،
 يقولُ نوبوأكي نوتوهارا أنّ هذهِ الكلمات كانت دافعاً لتأليف كتابه : (العرب وجهة نظَر يابانيّة) بعد أربعين عاماً من بدء دراسة اللغة العربيّة وتدريسها في جامعة "طوكيو" أكبر وأهم جامعة يابانيّة والسفر إلى عدد من البلدان العربيّة والعيش في الريف والصحراء .. هذا الكتَاب صادِم للوهلةِ الأولى ، ربّما لأنّه واضح ونحنُ العرب لم نعتَد سوى أن يُجاملُنا الآخرون ، وبعدَ ذلك يُصبح الكتَاب مُخجِل جدّاً. فأن يقول لكَ الآخرون عن مشاكلك التي تواجهها وكيف يجب أن تتخلّص منها وأنتَ لليوم لا تعترف بها لهو أمر مخزي جداً !
أمتعني هذا الكتاب وأشعرني بمشاعر كثيرة وأردتُ خلال قراءتي مناقشة الكاتب في عدد من الإيديولوجيّات التي طرحها من وجهة نظرِه ، لا يمكنني سوى أن أقول أنّهُ تمّكن من طرح الكثير من القضايا ونقدِها بناءاً على الثقافة القادِم منها وبناءاً على فترة  من العيش في الوطن العربي ، كما أنّني أخالفه في عدد من المواضيع أحدها موضوع "ازدواجيّة الشخصيّة العربية" وربطِها بعقيدتنا ، وكمثال آخر يقولُ نوتوهارا :

" طبعاً الدين موجود في اليابان وأحياناً يكونُ قويّاً في مجال الطقوس ولكنّهُ لا يتدخل في الملابس على الإطلاق ، أعني لا يحدد للنّاس نوع اللباس ولا شكله ، وفي هذا تقدّم كبير خارج القمع وباتجاه الحريّة"

أظُن أنّ الشخصيّة الغربيّة وكما يقول علي عزّت -رئيس البوسنة والهرسك- لا تستطيع أن تجد ترابط بينَ المادّة والروح وكدليل على ذلك تصادم الإلحاد مع الكاثوليكيّة والأرثوذكسية ، وهذا ما أوجدهُ الدين الإسلامي فبالنسبةِ لنا ليسَ ثمّة انفصال بينَ المادة والروح أو العلم والدين .. لذلك يفسّر المستعرب مسألة اللبس على أنّها قمع ديني ، لأنّهُ لا يستطيع أن يؤمن بفكرة "الوحدة ثنائيّة القطب" التي فسّر بها بيجوفيتش الإسلام من منظور الفكر الغربي !
ناقش الكتاب عدّة قضايا ، كالقمع في الشوارع العربيّة و العلاقة بين الكاتب  العربي والسلطة وهو كما يقول لا أستطيع أو أيّ ياباني أن نفهم لمَ قد يكتب الكاتب العربي مديحاً في السلطة ، وهذا مالا يحدث على الإطلاق في اليابان !  وفي جزءٍ من الكتاب ناقش ونقد الأدب العربي من خلال ثلاثة أدباء : غسّان كنفاني والقضيّة الفلسطينيّة ، ابراهيم الكوني والصحراء وعبد اللطيف اللعبي و الحريّة من خلال السجن !


**
أكثَر المقاطع تأثيراً وحضوراً في وجداني ، هو المقطع الذي تحدّث فيه المستعرب عن اكتشافه قضيّة فلسطين وأنّ غسّان كنفاني كانَ الصوت الأعلى لذلك وهو الذي طمس تضليل الإعلام الغربي خلال عرضهم للقضيّة الفلسطينيّة ، لا أدري لمَ شعرت أنّ ذوقي وذوق نوتوهارا متشابه لحدٍّ ما ربما من أسماء الكتب العربيّة التي اختار ترجمتها ، -خاصّة ًأنّ رواية (عائد إلى حيفا) هي أوّل رواية اختارها لترجمتها لليابانيّة - أو إيمانه الدائم أنّ الكاتب الحقيقي هو الذي يكتب لأجل قضيّة !


***
خرجت من هذا الكتاب بالكثير ، ولا أدّعي ذلك .. ولعلّ أحد أهم الأشياء هي فكرة "النقد الداخلي والخارجي" التي دعا إليها نوتوهارا المجتمعات العربيّة لتخطّى واقعها ، وأنّ علينا أن نجد شيئاً للمستقبل للانشغال به وأنّ (الأفكار الجاهزة تخرّب البحث وتخرّب فهمنا للواقع).


 ***
ولسببٍ ما تمّ تنصيف عدد التحدّي القرائي ، أشعر بتوتّر في كل مرّة أشاهد الرقم مائة .. الآن أصبح خمسين ليس لأنني لا أحبُّ التحديات ولكن لأنّ الشغف القرائي لا أسيطر عليه ولا حتّى الوقت ! 

هناك 4 تعليقات:

ذَهـلاء~ يقول...

تحمستُ أكثر لقراءة الكتاب بعد هذه التدوينة، رغم علمي بأنهُ سيكون كتابا مؤلما!

و: سعيا موفقا في طريقِ التحدي :)

هآلة ~ يقول...

ذهلاءه :
لا أدري لم ظننتِ أنّهُ مؤلم ، هل كانت قراءتي تشاؤميّة لدرجة أنني قدمت نظرة عامّة تغلّف مواضيع الكتاب بطريقة معتمة ؟
أمم عموماً هو يستحق أن يأخذ جزءا ًمن وقتِك ، ثمّة أشياء كثيرة ممتعة و "إيجابيّة" وحتّى نظرة نوتوهارا لـ بعض تصرفات المجتمع العربي اللأخلاقيّة تدفع للمرء بالضحك والسخرية من نفسِه بنشاز !
لا شيء مؤلم يا صديقتي ، أكثر من رغبتنا في البقاء مثلما نحن ُعليهِ اليوم !

أتمنّى أن تدوني عن صفقة الكتب الجديدة التي تبادلناها بالأمس ، أو نجعلها بعد الإتمام ؟

أصيلة الكندي يقول...

وٌفِقتِ فِي قراءتكِ لهذا الكتاب ،تُجيدين بلورة الكتاب بأقلِ الأسطر ، أظنني أحتاج دورةً فِي هذا يا فتاة*_*
*لم أقرأ كِتاباً لــِمستشرقٍ منذ تلوت بضع صفحاتٍ من "شمس العرب تستطع على الغرب"وأزمعت بعدها أن لا أقرأ شعرتٌ أنهم _المستشرقون_يزخرفونَ القول وإن بدى لِـــصالحنا فهو فِي الواقع يصب في مصلحتهمثم إنني لطالما تسائلت وربما استهجنت ،كيف لشخص أفنى من عمره "عمرا" ليخوضَ في لغتنا وديننا وحضارتنا ولم يُسلم؟!
*أعدت حِساباتِي مع نوتوهارا،وأظنكِ ملزمة لــإعارتي إياه ،خاصةً وأنني أشم رائحة "سياسة" فِيه*_* ،نضيف إلى ذلك رأيهُ عن غسان والكوني واللعبي @

هآلة ~ يقول...

رمّانة :)
كلّ خدماتي لكِ ، "شمس العرب تسطع على الغرب " أريييييده !!

ثمّة تضليل واضح في أذهاننا من هدف الإستشراق الإيجابي ، الحقيقة أنّ المستشرقين ظهروا لغزو العالم الإسلامي فكريّاً ودينيّاً ! لكن ظهر ممّن تبدلت وجهته من بعد الإستشراق !
الموضوع عميق جدّاً ،
إذا أخذتي في الجامعة بإذن الله "ثقافة إسلاميّة" كمتطلب بدل "الحضارة" سيكون ثمّة فصل عن الغز الفكري و جميل جدّاً ستستمتعين به :)

لا أسمّي "نوتوهارا" مستشرق وإنما مستعرب ، وثمّة فرق بين الإثنين !