السبت، فبراير 02، 2013

في العنايةِ المركزَة !


 
 
*
حينَ خرجت من المُعتكف بعدَ ثمانيَة ليالٍ ، كنتُ قد شعرتُ كثيراً أنّ روحي وُلدَت من جديد .. أتأمل الطرقات التي مضت فترة مُذ آخر مرّة التقيتُها / كانَ ثمّة شيء جديد مُختلف يُبصرني الأشياء ! الطاقة العالية التي ملأتُها في كل تلكَ الأيام كانت قد أودعت روحي في السماوات ..
وفي اليوم الذي دخلتُ فيه وأودعت فيه هاتفي للمنظمين ، أودعت فيه قلبي المَريض ، المريض جدّاً جّداً لخالقِه ! أودعت أهلي و أحبابي و أشيائي التي أحبّ .. وذهَبت ! لم يكُن سهلاً ، من قال أنّهُ كان سهلاً ؟ كانَ يأتيني ابليس في أوّل ليلة ويقولُ لي : هالة ما الذي جاَء بكِ هُنا ؟ وفي الوقت الذي أرى فيه من حولي قد جاءوا أيضا ًلذاتِ السبب – أكثر من مائة شخص – أدرك أنّ الصبر أوجَب !
 
**
لا أستطيع أن أحكي هذهِ التجربة ، هي أعظَم من أن تحكى ، في الليالي الأخيرة تمنّيت لو تطول الأيّام أكثَر .. -أكتبُ عنها الآن وكلّ شوق ولهفة -  لو تستمر ساعات التهجّد الجماعي ، صوت الأئمّة ، صلوات الجماعة ، الحلقات السداسيّة ، النوم والاستيقاظ الجماعي ، الأحاديث الآخرويّة التي لم أتذوقها بتلك الطريقة قبل ذلك ، روحي المحلّقة ، الأعين الدامعة في كلّ مكان ، الأشخاص الفردوسيّون ، كل القلوب التي صافحها قلبي واحتضنتها في آخرِ صباحٍ لنا .. العجائز اللاتي شاهدت فيهنّ نفسي صغيرة جدّاً ، الصبيّة التي علّمتني كثيراً وهي تُبصر الدنيا  بقلبها ، تتحسس الأشياء وتُبصر أكثَر منّا كلّنا .. في وداعنا احتضنتها ، استسمحتها ، في الوقت الذي كان الجميع يحاول الاقتراب منها ومرافقتها كنتُ أتأملها عن بُعد وحين جاءت الفرصة التي سمعتها فيها تتلوا لم أستطع أبداً أن أحبسَ دموعي ! هالة ما أصغرك !

ممتنّة لكل القلوب التي فتحت لي قلبها هُناك ، قصصها ، وحكاياتها .. كان ثمّة قصص كثيرة يرويها الناسُ لي بألسنتهم وبقلوبهم ،وفي كلّ مرة كنتُ أدرك تماماً أنني أصغر من كل شيء ..  تعلمت دروساً كثيرة ، لم أكن لـ أتعلمها لا في المدرسة ولا في الجامعة ولا في حياتي اليوميّة السريعة جدّاً .. كانت مُزنة تقولُ لي وهي تراني ساهمة في ما حولي : هالة أكثر واحدة تتأمل هنا ! ابتسم / و لا أدري لمَ ! شعرت كثيراً أنني أنصتُّ كثيراً بقلبي لما حولي !

***
كنتُ سعيدةً كفاية / وحزينةً كفاية أيضاً ، للحد الذي أخذتني فيه روحي عالياً صباحَ الخميس .. حين أعادوا لنا هواتفنا وفجأة علمت أنّ التخصصات قد نزلت ! قلتُ لـ هناء أن تعطني هاتفها لـ أشاهد التخصص الذي قُبلت فيه ، قالت لي بنبرة صارمة : هالة لم نخرج بعد ! انتظري حتى نعود للبيت !
لم أكن لـ أنتظر ، كنتُ قد دعوتُ الله كثيراً أن يبصرني ، ويرسلني للطريق الذي يراني فيه بقدرته ! ثمّ لطفُ الله وحده تنزّل على هناء وناولتني ، حين رأيت التخصص الذي شعرت دائماً أنهُ لي وأنني له قد كُتب في خانة التخصص بجانب اسمي .. ذهبت – وكانت صلاة الفجر لم يئن ميعادها بعد- وسجدت لله شكراً !
كنتُ سعيدة كثيراً ، ليسَ لـ ماهيّة التخصص ذاته بل لـ أنّ الله أودعني في مكانٍ هو أعلم بأنهُ أصلحُ لي ولـ رسالة الحياة القادمة ومنهجي فيها ! ذهبت لهناء .. بشّرتها بطريقة عفويّة جداً وبختني خلالها على – أسلوب دفاشتي - : هالة الشيخ ما علمنا نكون دفشين ! همم ! ثمّ بحثت عن رقيّة الجميلة ، وقفت أمامها .. وثمّة ابتسامة عريضة على محيّاي سألتها أن تبارك لي ، ثمّ فجأة وباحتضانٍ مباغت علمت مرادي سريعاً !
 
****

كنتُ قد ذهبت لـ أبحث عن النور ، ولـ أعالجَ قلبي المريض وحين قال الشيخ مذ أول ليلة أننا في العناية المركزة لم أكن لـ أصدّق ذلك كثيراً مع إدراكي التام به ، كنتُ بقدرةِ الله أدرك مع الأيام أنّ قلبي مريض فعليّاً وأنني في العناية المركزة وتلك فرصتي للشفاء !  وأنّ اليوم الذي خرجتُ فيه ، كنتُ قد أبصرتُ الحياة بروحٍ جديدة سخّرها الله من جديد لتراه  في كلِّ شيء بقلبٍ جديد !   يا الله كم أحبُّك !

{( وقالوا الحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله )}

 

هناك تعليقان (2):

إستبرق.. يقول...

النّور غطّى الفراغات التي بين الكلمات يا هالة .. غطاها تمامًا ..
شكرًا لجرعة الحماس التي أسقيتني إياها
مبارك لكِ الشفاء .. والتخصص الجميل وغفر الله لكِ ما تقدم من ذنبكِ وما تأخر .. وهداكِ سراطًا مستقيما.

هَالـة يقول...


استبرق ،
الشقاء القلبي ، أصعب من الشفاء البدني ليتني فعلاً في طريق الشفاء !
ستكونين هُناك يوماً ما يا حلوة :)

بارك الله في عُمرك (f)