الثلاثاء، ديسمبر 09، 2014

تلبُّس - قصة قصيرة


حاصل على جائزة الجامعة التشجيعية للإبداع الطلابي - فرع القصة القصيرة : 28 / مايو / 2014

حينَ وضعَ الشيخ ناصر يدهُ على رأسِ عائشة ليقرأ عليها آياتٍ من القرآن ، كانت عائشة قد انطلقت تلقائيّاً تزبدَ وترغد بفمها كلّ الشتائم التي سكنت رأسها يوماً ، بل كانت على وشكِ أن تهجمَ على الشيخ ناصر ذاته لولا أنّ والديها قد أحكموا قبضتهم وحوطوها بأذرعتهم.

لم تتجاوز عائشة ربيعها الثالث عشر ، كانت أميمة - صديقة عائشة المقرّبة- تقولُ دائماً أن ثمّة شياطين كثيرة تسكنُ رأس عائشة ولكنها لم تجروء يوماً أن تُعلن ذلكَ أمام صديقتها ! قالت أميمة لوالدتها ذاتَ يوم ، أنّ ثمّة وجوهاً كثيرة من الشياطين تزورُ عائشة كلّ يوم ، وأنّ الخوف يتملكها حالما تبدو صديقتها قد فقدت صوابها فجأة !

قرأ الشيخ ناصر ويدهُ على رأسِ  الصبيّة التي غطتها والدتها بغشاوةٍ سوداء بعض الآيات ، انتفضَ جسد عائشة النحيل ، تحوّلت الصبيّة الهادئة التي لم يُسمع يوماً همسها إلى امرأةٍ ثملة فقدت عقلها تماماً ، كانت تُقذف الكلام من لسانها بدونِ تفكير ، تضحك ثمّ تصرخ ، تبكي ، تمسح دموعها ثمّ تتملكها من جديد الرغبة بالتنمّر على الشيخ ناصر ! ذلكَ الصباح ، اليوم الذي ستراجع فيه عائشة  آخر سورةٍ قد حفظتها من القرآن على يدِ المعلم عبدالله ، اليوم ذاته الذي عرف كل أهل القرية الخبر ، سقطت الفتاة مغشيَّاً عليها قبل أن تبدأ بالتلاوة ! قالت أميمة لوالدتها : بعدَ ذلك الصباح لم تعد عائشة كما هي ، ثمّة شيطان تلبسها !
والدة أميمة حكت لصفيّة أم عائشة عن الشيخ ناصر وأنّ كل الذين يذهبون إليه مهما بلغت علّتهم يُشفون بعد جلستين تماماً !

لم ينتظر الوالدين طويلاً ، أخذوا الصبيّة التي عُرفت دائماً بوقارها وبذكاءها المتقد إلى قارئ القرآن الشيخ ناصر ليقرأ عليها. كانت صفيّة تبكي ، تتوسل الشيخ بأن يُشفي ابنتها ، بينما ظهرَ القلقُ جليَّاً على وجهِ زوجها الذي قال بأنهُ سيدفع أي شيء مقابلَ شفاء ابنته. لم يكن يخفى على الشيخِ ناصر علّة الصبيّة، إنهُ بموهبته يستطيع إدراك حالة الشخص وسببِ مشكلته ! بهذا كانَ قد أدركَ تماماً أنّ جنيّاً قد تلبسَ الصبيّة ، وأضافَ الشيخ ناصر وهو يحدّقُ بصرامة على وجهيّ والديها ، يمشط بأصابعه اليسرى لحيته التي شاب جزءاً كبيراً منها : بأنّ شفاء الفتاة سيكون بخروج الجنيّ إلى مسببه !

مضت أشهراً طويلة ، لم يكن ثمّة حديث يدورُ في القرية سوى الفتاة حافظة القرآن التي تلبسها جني .
لم تُسمِّع عائشة سورة البقرة ، ولم تعد تستطيع أن تفعلَ ذلك ، كانت تغنّي بدلَ أن تقرأ  الآيات حالما تطلبُ منها أمها تسميع  سورة البقرة. كانت الفتيات يذهبن ليستكملن دروسهن مع المعلم عبدالله ، وحدها عائشة لم تكن تذهب ، تعودُ أميمة كلّ ظهيرة إلى صديقتها ، تمسكُ يدها وتخبرها بحماسٍ بالغ ماذا حدثَ في جلسةِ ذلك اليوم ! ومع أنّ عائشة لم يكن ذهنها حاضراً إلا أنها كانت تبتسم حينَ ترى أميمة ، وربما تحيلها بعض أحاديثِ أميمة إلى آلةِ ضحكٍ مستمرة ! جاءت أميمة ذلك اليوم وأخبرت عائشة بأن نصف الفتيات تسللن هذا النهار دونَ أن يعدن لـ الدرس، بينما كان موسى يسمّع سورة البقرة بينَ يديّ المعلم ! ضحكت أميمة بانفعال : فجأة يا عائشة شاهدنا المعلم عبدالله يضحك ويبكي في وقتٍ واحد حتى فقدَ صوابه ، كانَ حينها موسى قد أتمّ تسميع سورة البقرة.


لم يمضي وقت طويل ، كانَ كما لو انتقلت حالة العته من رأسِ عائشة إلى معلمها السبعيني ، ولم تتذكر عائشة أبداً ماقد حدثَ لها . بعدَ شهر واحد كانَ فتيان وفتيات القرية ينتظرونَ معلماً جديداً للقرآن ليأخذ دور المعلم عبدالله الذي لم يُعرف أبداً أينَ اختفى وماذا قد جرى له.

انتهى