الأحد، ديسمبر 04، 2016

عنِ الحبِّ و النيَّة و اصطيادِ الدهشة



لقد قرأتُ ذاتَ مرة لـ غوستاڤو أريلانو واصفاً أن أفضل علاقاته بمؤلفاتِ ماركيز لم تكُن لا "مائة عامٍ من العُزلة" ولا حتى "الحبُّ في زمنِ الكوليرا" بل لم تكن إحدى رواياته بل كانَ حواراً صحفياً لمجلة باريس ريڤيو قُبيل حصولهِ بعامٍ على نوبل. أفكرُ بهذا الأمر على محملِ الجدّ. اكتشفتُ أورهان باموق من خلالِ خطبتهِ الشهيرة المُدهشة في حفل تسلّم جائزة نوبل! لا "اسمي أحمر" ولا " إسطنبول" كانا سبباً في ذلك.
لم أكن في أي وقت مُهتمة بقراءة مقدمة ابتدعها الكاتب أو اختارَ شخصاً ما شهيراً ليقدم عملهُ الأدبي! بل آمنتُ دائماً أنّها وحدها الموهبة من يجب أن تفعلَ ذلك.

في إحدى المرات قُبيل دخول سارة ابنة أختي للمدرسة حينما كانت تقطف أوراق شجر الزينة مع أقاربها بكل شقاوة ، قلتُ لها بشفقة أنَّها آذت الشجرة المسكينة التي حلُمتْ دائماً بحياة مميزة بل آذتها لأنها كانت تشعر بألم! أذكر تماماً ملامح سارة وقتها وهي مُصابة بالدهشة. كانت تلك المرة التي فهِمَتْ خلالها أن الشجرة إحدى الكائنات الحية في هذا الكون البديع. كانت سارة دائماً إحدى طرقي في الاتصال بصوت طفولتي الداخليّ ، بأحلامي الغضَّة برغباتي اللامتناهية التي اكتشفتُ لاحقاً أنني بدأت أفقدها مع تقدمي في العُمر. لقد اخترتها دائماً لتكون صديقة تنقذني من رتابةِ الحياة! لاحقاً صار "عليّ"  الصغير ابن أخي  طريقتي الأخرى في اصطيادِ الدهشة و الوداعة. أحبُّ طريقتهُ في الضحك ، ابتسامتهُ التي أحاولُ دائماً خلقها ، الجري خلفهُ و تشارك حبّ القطط! في إحدى الأسابيع الماضيه قرأتُ لهُ قصة "السحابة تتمنى"! لقد كان وجهه مسكوناً بكل التعابير التي وددتُ دائماً رؤيتها وأنا أرسمُ القصة. ثم حين وصلنا إلى مقطع : ..." حزنت السحابة الصغيرة" وبصوتٍ مُثقل وحزين هرب الصغير وجرى بعيداً عني صارخاً فيما معناه : "لا أريد! " ضحكتُ كثيراً ، كانت تلك ردة فعل مبهمة بالنسبة لي من طفل يتقاطع مع فكرة الحزن وإن كان لا يفهم التراجيديا الحقيقية لذلك بل استطاع بذكاءه أن يقرر أنهُ شيءٌ غير محبب بالنسبة له ويجب تركه! -علي كان سيكمل بعد هذه الحادثة عمر السنتين بعدة أسابيع-  في وقتٍ لاحق انضمَّت ابتسامة يزن -صديقي الجديد- وذكائهُ المتقد في الحصولِ على مايُريد بل ومحاولاته المتكررة لإنجازٍ ما ، ما يسميه الراشدون بالنمو! وحدهُ يزن حملني على محملِ الجد لحفظِ التهويدات التي سينام عليها لاحقاً بين يديّ حين أستسلم لبكاءه أو في كرسيه حين أنتصر أنا!

ليسَ "النمو والتطور" غاية يجب أن نبتهج لأجلها إذا لم تكُن مسكونة بالنوايا! إنها وحدها "النيَّة" من جعلت تكاثر الإنسان مُكرمّاً أكثر . وإلا فـ البكتيريا أيضاً تتكاثر! لماذا شهوة الإنسان وهمجيته تدفعهُ اليوم نحو تصرفات _حيوانية_ ينفر منها الوعي ؟ لماذا جعل المجتمع من الزواج مرحلة لاوعية للحياة . يُنفق مادياً لأجله أكثر مما ينفقه الفرد روحياً وذهنياً! ثمة قصة السيدة مريم التي ذكرها الله - عزّ وجلّ- في مواضع عدة من كتابه. قصة بها من بديع المعاني أجلّها وأحسنها! لحظة التنوير في القصة تبدأ حين تولدُ السيدة مريم  لتناجي امرأة عمران ربها حين وضعت (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ) آل عمران-٣٦. ألم يكُن الله عنده علم الغيب وأعلم بما ستضع؟ بلى لكنها كانت قد نوت بأنها إذا وضعت صبياً فستستعملهُ في خدمة بيتِ الله الحرام (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ) آل عمران-٣٦. 
على مدى سنوات حياتي حققت بفضل النوايا الصادقة ما لم أعرف أنه من الممكنِ تحقيقه. سمعتُ ذات مرة امرأة فاضلة تقول أنَّ الله يتحسس دواخل الناس ، إذا وجدَ صدقاً يسر لعبده الطريق وحقق مراده وأعطاه على ذلك أجره! 

مثلما أسرق الوقت لأقرأ ، أفعل الأشياء التي أحبها ، وأختلي لأفكر ، أخلقُ النوايا بداخلي أيضاً التي تأتي من مرحلة تراكمية من التساؤلات والمعاني التي عثرت عليها خلال رحلة الحياة الماتعة بصعوباتها وتيسيراتها. ثمة أبواب كثيرة تِفتح ، سماوات تضاء في ذهني ، نجوم لامعة تضيء في قلبي! حياة واحدة ثرية ستكون كافية جداً إذا تعلمت كيف أقومُ  بها على أكملِ وجه! 


كانت هذه تدوينة غير مخطط لمحتواها لكنها أخذت هذا المسار . أنا سعيدة بها! 
ثمة كلام كثير آخر له تتمة.  

هناك تعليق واحد:

chemistry_addicted♡ يقول...

أنا سعيدة أيضًا بقراءة هذه التدوينة.
رائعة أنت هالة💙
تحية من بيتنا إلى بيتكم